حكم إخناتون (واسمه الأصلي أمنحتب الرابع) نحو 1353-1336 ق.م في الأسرة الثامنة عشرة، وأحدث أحد أعنف التحولات في تاريخ مصر: قمع تعدد الآلهة التقليدي، وإغلاق معابد آمون في الكرنك، وبناء عاصمة جديدة مخصصة لإله واحد هو آتون، قرص الشمس.
الإصلاح الديني
لم يكتفِ إخناتون برفع إله مفضّل داخل المنظومة الدينية القائمة. فقد أمر بإغلاق معابد آمون، وحلّ كهنوته، ومحو اسم آمون فعليًا من الآثار في أنحاء مصر. جرى قمع مجمع الآلهة التقليدي بدل الاكتفاء بخفض مرتبته.
ولم يُقدَّم آتون على أنه الشمس فحسب. فقد جعله اللاهوت الجديد الطاقة الإلهية الخالقة للشمس كما تُدرَك في عالم الأحياء، ويُتوصل إليها عبر الفرعون وسيطًا، لا عبر المؤسسات الكهنوتية التقليدية التي راكمت سلطة وثروة هائلتين في الكرنك.
وما إذا كان ذلك توحيدًا بالمعنى الفلسفي فمسألة لا تزال محل نقاش بين الباحثين. الواضح أنه كان سياسة مفروضة بالقوة، لا تطورًا دينيًا تدريجيًا.
أخيتاتون: عاصمة بُنيت من العدم
في السنة الخامسة تقريبًا من حكمه، اختار إخناتون موقعًا بكرًا على الضفة الشرقية للنيل في مصر الوسطى، على بعد 312 كم جنوب القاهرة الحالية، وأمر ببناء عاصمة جديدة سمّاها أخيتاتون (أفق آتون). ويسميها علماء المصريات اليوم العمارنة أو تل العمارنة.
شُيّدت المدينة في نحو خمس سنوات، وضمّت قصورًا ملكية ومباني إدارية ومعابد لآتون وقرية للعمال ومقابر منحوتة في الصخر للموظفين في المنحدرات المحيطة. وفي ذروتها قُدّر عدد سكانها بين 20,000 و50,000 نسمة. وهُجرت خلال 15 إلى 20 عامًا من وفاة إخناتون.
فن العمارنة
أنتج عصر العمارنة أسلوبًا فنيًا مميزًا يختلف عن أي مرحلة أخرى في الفن المصري: شخوص مستطيلة، وجماجم ممتدة، وأجذاع نحيلة، وأوراك عريضة. ويظهر أفراد الأسرة المالكة، إخناتون ونفرتيتي وبناتهما، في مشاهد حميمة على غير المعتاد: يلعبون مع الأطفال ويستريحون معًا تحت أشعة آتون.
أشهر قطعة من تلك الفترة هي التمثال النصفي لنفرتيتي الذي اكتشفه عالم الآثار الألماني لودفيغ بورخارت في العمارنة عام 1912. وهو منحوت من الحجر الجيري ومطلي بالجص، ويوجد الآن في المتحف الجديد (نويس) ببرلين. طالبت مصر باستعادته مرات عدة، ولم يُسترد حتى الآن.
نفرتيتي ومسألة الخلافة
كانت نفرتيتي الزوجة الرئيسية لإخناتون، وتظهر بحضور بارز غير معتاد في فن عصر العمارنة، وفي بعض الصور بأوضاع قوة كانت حكرًا على الفراعنة. وهل حكمت منفردة بعد وفاة إخناتون (ربما باسم الفرعون نفرنفرو آتون) فمحل نقاش علمي نشط. ولم يُتوصل إلى إجماع حاسم.
توت عنخ آمون والعودة إلى القديم
كان توت عنخ آمون على الأرجح ابن إخناتون، وإن اختلف في هوية أمه، والمرشحتان الأبرز هما نفرتيتي وزوجة أقل مرتبة تُدعى كيا. اعتلى العرش طفلًا، واسمه الأصلي توت عنخ آتون (الصورة الحية لآتون).
وبتوجيه من مستشاريه ألغى إصلاحات العمارنة: أُعيد فتح معابد آمون واستُعيدت عبادة الآلهة القديمة، وغيّر اسمه إلى توت عنخ آمون. وذهب خلفاؤه، وخاصة حورمحب، أبعد من ذلك فأمروا بمحو اسم إخناتون من قوائم الملوك وتفكيك العمارنة. وأُعيد استخدام كتل الحجر (التلاتات) في البناء بالكرنك، وقد استُخرج كثير منها منذ ذلك الحين وجرى توثيقه.
زيارة تل العمارنة اليوم
الموقع وجهة غير شائعة لكنها تستحق العناء لمن لديه اهتمام خاص بعلم المصريات. يبعد 312 كم عن القاهرة قرب مدينة ملوي الحديثة، وعلى بعد نحو 2.5 ساعة من الأقصر بالقطار وسيارة الأجرة.
ابحثوا عن فنادق في الأقصر على Booking.com
لم يبقَ من المدينة نفسها سوى أساسات ومخططات في الصحراء. وأسهل من حيث المشاهدة مقابر نبلاء العمارنة المنحوتة في المنحدرات الشرقية، وفيها مشاهد ملونة بأسلوب العمارنة المميز، منها شخوص مستطيلة تتلقى أشعة قرص آتون. وهي عادة غير مزدحمة وتعطي صورة مباشرة عن كيفية تطبيق هذا الأسلوب البصري في سياقه.
معظم قطع العمارنة المهمة، من تماثيل وشظايا نقوش وكتل التلاتات، موجودة في المتحف المصري بالقاهرة والمتحف الجديد ببرلين لا في الموقع نفسه. ويمكن أن تشمل الجولات الموجهة المتخصصة في علم المصريات تل العمارنة ضمن برنامج في مصر الوسطى.